يوسف المرعشلي
563
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وأقرانه وأسرته . ولم يعرف عنه أنه عادى أحدا ، أو نال من إنسان ، أو اختصم مع آخرين . مستقيما غاية الاستقامة ، يتحرّى الكسب الحلال من تجارته ، ويخشى كل الخشية أن يقع عليه شيء من الحرام في مأكله أو ملبسه أو شؤون حياته . رفض الوظائف في الدولة أيا كانت لشدة ورعه رغم ضيق ذات يده واحتياجه الشديد ، ورغم أنها عرضت عليه ، وذلك بعد خساراته المتكررة في التجارة . كان زاهدا همه التزوّد للآخرة ، حسن التبتل ، دائم الخشوع ، يشعر من يراه في عبادته أنه في مناجاة لربه . يدع خطل الكلام وهذره فضلا عن سيئه ولغوه . همه تلاوة القرآن الكريم ؛ فما زال لسانه رطبا بالذكر لا يفتر . وله حصة بين العشائين لا يكاد يتركها إلا في الضرورات . يحافظ على الصلاة في الجامع الأموي وخاصة صلاة الفجر ؛ التي يشرع بعد الفراغ منها بالذكر والتسبيح وقراءة الأوراد حتى انتشار الضحى . كان متواضعا جمّ الأدب ، قال عنه الشيخ محمد الكامل القصار : « حتى ليكاد يشعرنا ونحن كأولاده أننا أنداد له في العلم وأتراب له في الدراسة والمناقشة » وقال الشيخ ياسين عرفة : « أديب في مجالس العلماء لا يعترض عليهم رغم أنه يحضر عندهم ، وهو على مثل حالهم علما وفضلا » . لا يحب الظهور ولا الشهرة ، ولا يرى لنفسه تميزا عن الآخرين ، ينكر المنكر حينا بالشدة وأحيانا باللين . ينصح لأهله دوما ، ويعلّمهم ، ويتلطّف معهم بالكلام اللين ، لم يضرب ولدا ، ولم يشتم بنتا ، بل كان للجميع قدوة صالحة ، ومثلا حسنا . يتحرّى في عباداته الدقة والورع ، يأخذ فيها بالعزائم ، من ذلك أنه إذا مسّ كرسيا مطليا بمادة ( البرداخ ) ويده مبلولة أسرع فغسلها ؛ لأنّ في ( البرداخ ) مادة الكحول الذي يعتبره نجسا . ومن خلقه المتميّز أنه كان يحترم اللغة العربية ويقدّسها ؛ لأنها لغة القرآن الكريم ، فإذا رأى على الأرض ورقة فيها كلمات انحنى والتقطها ؛ فحفظها أو أحرقها . ويروي في هذا الشأن أنه كان يسير مرة خلف جنازة ، فبصر بورقة تدوسها الأقدام وما إن وقف ليتناولها حتى صدمته سيارة من ورائه ، نقل على أثرها إلى المستشفى ، وبقي ساعات طويلة متأثرا لكنّ اللّه سلّمه ، وقد أشاروا عليه أن يخاصم السائق ، أو أن يضارّه ، فلم يرض ، بل سامحه وصرفه من محبسه . ولئن تعثرت أذياله في التجارة لقد نهضت به مساعيه إلى إنتاجات ونشاطات في الجوانب الاجتماعية والخيرية ، فهو لم يقتصر على حلق العلم ومجالس الإقراء والتعليم فحسب ، بل قام بدور نشيط يتصل بالبر والإرشاد . درّس الفقه الحنفي في المدرسة الكاملية بالبزورية ، وهي التي أنشأها صديقه الشيخ كامل القصاب ، وكان المترجم من أبرز مدرّسيها . ودرّس كذلك بالكلية الشرعية . ( المعهد العلمي الديني ) . كان له مجلس في بيت الشيخ صادق أبو قورة بمنطقة زقاق الضيّق المؤدي إلى حي باب البريد ، وكان ذاك المجلس أشبه بالمنتدى العلمي أو النادي الثقافي ، يلتقي فيه التجار والعلماء والمتأدّبون وسواهم صباح كل جمعة ، فيمكثون إلى ما قبل الصلاة بقليل . فيقرؤون الصلاة النّارية « 1 » ، وينشدون البردة بأصوات رخيمة ، ثم يتصدر المترجم الجلسة : فيقرأ عليهم درسا عاما توجيهيا . ويجيء بعضهم للاستشارة أو الاستفتاء . ويرحّب الشيخ صادق بالحضور . ويقدّم لهم أكواب الشاي جاهزا تحت الطلب دوما . وربطت المترجم بالعلماء صلة المحبة واللقاء ، فكان يرتاد مجالسهم المحببة إليه ، يجلس بينهم متواضعا ، ويدعوهم إلى بيته ، ولم يدع مجلس الشيخ محمد بن الهاشمي أبدا ، يحرص عليه كل الحرص . وبرز اسم المترجم في الجمعيات المختلفة ، وقف
--> ( 1 ) الصلاة النارية وهي : « اللّهم صلّ صلاة كاملة ، وسلّم سلاما تاما ، على سيدنا محمد : الذي تنحلّ به العقد ، وتنفرج به الكرب ، وتقضى به الحوائج ، وتنال به الرغائب ، وحسن الخواتيم ، ويستسقى الغمام بوجهه الكريم ، وعلى آله وصحبه في كل لمحة ونفس بعدد كلّ معلوم لك » .